NeW H0pE
اهلا وسهلا بك زائرنا الكريم
منتديات تعليم سوريا ترحب بك اجمل ترحيب
ونتمنى لك وقتاً سعيداً مليئاً بالحب كما يحبه الله ويرضاه
فأهلاً بك في هذا المنتدى المبارك إن شاء الله
ونرجو أن تفيد وتستفيد منا
وشكراً لتعطيرك المنتدى بباقتك الرائعة من مشاركات مستقبلية
الك منا أجمل المنى وأزكى التحيات والمحبة
منديات تعليم سوريا


منتدى ترفيهي وتعليمي يساعدك على التعليم و الترفيه والثقافة العامة
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

  [الصف العاشر ] مقالة عن المتنبي والحروب الخارجية - اللغة العربية سوريا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 25
نقاط : 72
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 05/08/2011

مُساهمةموضوع: [الصف العاشر ] مقالة عن المتنبي والحروب الخارجية - اللغة العربية سوريا    السبت أكتوبر 29, 2011 6:06 pm



المُتَنَبّي والحَرْبُ البيزَنْطيّة العَرَبَيّة
الأهمية التاريخية لأشعاره

إن الحرب ضد البيزنطيين، التي كانت شبه متصلة منذ عهد الأمويين، قد زودت الشعراء العرب بموضوع لا ينضب له إيحاء ويعتبرون من النوادر الأشخاص الخطيرون، من خلفاء أو أمراء، الذين لم يبحثوا عن نيل المجد الديني والدنيوي معا، بالإسهام بصورة شخصية في الجهاد ضد العدو. ونادرون أيضا أولئك الشعراء الذين لم يضحوا في سبيل الالتزام الذي يفرض عليهم الإشادة بالأمجاد العسكرية للملوك الذين كانوا يتفيأون في ظلالهم، إذا لم تحملهم أذواقهم الشخصية على التغني بالوقائع الحربية، بل كان ثمة شعراء مجان متهتكون أمثال أبي نواس، أو زهاد أمثال أبي العتاهية ألزموا أنفسهم بإطراء مزايا هارون الرشيد ومناقبه ومآثره أثناء المناسبات، هارون الرشيد، المدافع عن حياض الإسلام وقاهر البيزنطيين. وقد تنافس أبوتمام و البحتري في تمجيد المأمون والمعتصم وقوادهما. ولكن أعظم الشعراء المتغنين بالحرب البيزنطية دون منازع هو المتنبي، الذي بكبريائه الفطرية وحبه المفرط للمجد، كان مؤهلا كل التأهيل لأن يغدو الشاعر الذي يصطفيه لأمجاده أمير ماجد، أمير شغله الشاغل الحرب، وقد ملأ أسماع العالم الإسلامي والعالم البيزنطي بقرقعات أسلحته وصخب غاراته البطولية ودويها فخلال تسعة أعوام من 337/948 حتى 345/956 التي تناظر فترة أمجد الغزوات الحمدانية، كان المتنبي الرفيق الذي لا يفارق سيف الدولة في غاراته الكثيرة، وأن المعارك التي خاضها سيف الدولة في سوح الوغى، والتي دارت رحاها في آسية الصغرى و سورية وبلاد ما بين النهرين، وبسالة الأمير وجرأته، ونجاحاته، أوحت إلى المتنبي بالعديد من قصائده التي هي أفضل قصائده وأحظاها بالإعجاب.
إن الأحداث الرئيسية للحرب الناشئة بين بيزنطة و سيف الدولة التي شهدها المتنبي، كان لها صداها في أشعاره بطبيعة الحال. فلم يدع أية غارة تمر دون أن يكرس لها قصيدة، وأحيانا قصيدتين. وبالاستعانة بشراح المتنبي، بعد شعر المتنبي نفسه، بوسعنا أن نعيد تمثيل تاريخ شبه كامل عن هذه الحرب التي اندلعت بين عامي 337 و345.
في عام 339/950. قام سيف الدولة بحملة كبيرة في أراضي قبدوقيا وخرشنة: وبعد أن مرّ بسمندو في أعلى خليج سيمان، واخترق آلس خرب أطراف خرشنه وصارخه وقهر الدمستق برداس فوكاس ( الفقاس ) في بطن اللقان، وأثناء عودته فوجئ بالعدو فهزم في المنطقةالواقعة بين مرعش وحدث( م-450-451) وفي عام ( 340/951 ، عبئت حملة أقل سعة من سابقتها تجنب بها سيف الدولة سمندومن جهة، التي كان يحتفظ بها الدمستق بقوة، ومن جهة أخرى، لم يستطع سيف الدولة الوصول إلى خرشنه بسبب الشتاء ( م-458-460).

نزور ديارا ما نحب لها مغنى _________________________
ونسأل فيها غير سكانها الإذنا _________________________
وفي عام 341/951، أعاد سيف الدولة بناء حصن مرعش، الذي كان قد خربه البيزنطيون. ولم يستطع هؤلاء رغم الجهود التي بذلوها، تعطيل الأعمال (م 472)، ومن جهة أخرى استقبل سيف الدولة سفارة بيزنطية (497):
وأقبلت الروم تمشي إليك _________________________
بين الليوث وأشبالها _________________________
إذا رأت الأسد مسبية _________________________
فأين تفر بأبطالها _________________________
وفي عام 342/953 تقع حملة من أضخم حملات الأمير: إذ اخترق الأراضي البيزنطية من مضايق طوروس إلى الشمال الغربي من سمياط، فخرب المنطقة الواقعة بين ملطية وزبطرة وعرقه، وتوقف عند الرجوع في درب الموزار، ومضى صعدا صوب الشمال، وعبر ثانية ملطية، واجتاز قباقب، ثم الفرات وعاد إلى سورية عن طريق بلاد ما بين النهرين. ولكنه علم في الطريق بأن العدو انحرف في سورية من جهة الشمال، فمضى جهة الساحل الأيمن للفرات وتقدم بسرعة إلى دلوك، ظنا منه بأنه سيلحق بالعدو أثناء تقهقره. ولكن العدو كان قد عبر فاقتفى سيف الدولة آثاره وتعقبه نحو الشمال، فداهمه قرب مرعش وكبده خسائر فادحة مع قلة من معه من الفرسان، وهذه أهم الهزائم الحربية التي جرح خلالها الدمستق وأسر ابنه قسطنطين ( 514 ، 529):
نجوت بإحدى مهجتيك جريحة _________________________
وخلفت إحدى مهجتيك تسيل _________________________
وفي عام 343/954، وبعد أن استقبل سفارة رومية شرع سيف الدولة يعيد بناء ثغر الحدث وتحدى الدمستق الذي أراد الحيلولة دون هذا المشروع (548):

على قدر أهل العزم تأتي العزائم _________________________
وتأتي على قدر الكرام المكارم _________________________
وفي عام 344/955 استقبل الأمير سفاره رومية جديدة (556) وأخطر جيشا معاديا على الابتعاد عن ثغر الحدث وكان قد جاء لتهديد الموقع الذي أعيد ترميمه حديثا (583):

أراع كذا كل الأنام هام
وسمح له رسل الملوك غمام
ذي المعالي فليعلون في تعالي
هكذا هكذا وإلا فلا لا






وفي عام 345/956 حدثت الحملة البيزنطية الأخيرة التي تغنى بها المتنبي:


عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم
ماذا يزيدك في إقدامك القسم


وحدثت حملة جزئية موجهة ضد شرق خط الجبهة هنزيط ومواقع تل البطريق ومواقع أخرى من بلاد ما بين النهرين، كانت تحت حكم يوحنا بن شمشقيق البطريق، وتقع في شمال أرسناس، الفرع الجنوبي من الفرات، وهذه العملية التي لم تكن الوحيدة في تلك السنة توجت بالنجاح، كما حالف النجاح كذلك هجمة تل البطريق حيث اندحر يوحنا بن شمشقيق البطريق في درب الخياطين أثناء انسحابه صوب ديار بكر قريبا من منابع أرغانة صوب الفرع الغربي من دجلة العليا (524،600).


يغم عليا أن يموت عدوه
إذا لم تغله بالأسنة غول
إلى الفتى ابن شمشقيق فاحنثه
فتى من الضرب تنسى عنده الكلم
وإن القصائد التي كرسها المتنبي لكل واحدة من حملات سيف الدولة هذه تسمح لنا أن نتابع على الخريطة سير الجيوش. ونرى أحيانا أن مواقع منطقة الجبهة العربية البيزنطية، التي أشار إليها المتنبي في أشعاره، لم يذكرها أي مؤرخ أو أي جغرافي قبله، بل وبعده والفضل يعود إلى المتنبي في تعيين هذه المواضع، ولو على سبيل التقريب أحيانا، وهكذا نتعرف على درب القلة ودرب الموازر، في جنوب منطقة ملطية، أو حصن الران، على الضفة اليسرى للفرات، بين عرقنين و سمياطو وسمنين على البحيرة التي تدعى اليوم كولدجيك goldjik في جنوب غربي خربوط إلخ..
ويذكر ياقوت في ( معجم البلدان الجغرافي) المتنبي كل لحظة وأحيانا لا يذكر إلاّه. فهو أذن مصدر استعلامات عن طبوغرافية المناطق التي اخترقها الأمير الحمداني، الذي ينبغي إدخاله في الحساب رغم ضآلة دقته.
أشعاره كذلك لها أهمية تاريخية لا تنكر إذ أنها وثائق معاصرة لشاهد عيان، حضر معظم كبريات المعارك، وألف غالبا مقطوعة في الموضع نفسه وفي اللحظة التي حدثت في بحرها هذه الواقعة أو تلك أو على الأقل بعد الحدث بقليل لدى عودته مثلا من إحدى المعارك. فأشعاره مصدر تزداد أهميته بعدم وجود مصدر آخر معاصر في نفس الموضوع، لهذه الفترة وهذه المنطقة في تاريخ القرن العاشر. إذن فأشعاره هذه نافعة أكثر من مرة واحدة لتعزيز الوقائع المروية في الحكايات التاريخية التالية عليه وتحديدها، وهي فضلا عن ذلك تستلهم المتنبي وشراحه.
إن أشعار المتنبي تجهزنا كذلك بتفصيلات لا يعرفها المؤرخون المحترفون أو إنهم أهملوها، وتسمح لنا هذه الأشعار ببعث الحياة مجددا في الحوادث مع تحديدات أكثر وحيوية أشمل وأعمق، إنها تحمل إلينا حقيبة ثمينة مفعمة بالملامح اللطيفة العجيبة الدقيقة، التي بفضلها نستطيع تشخيص مظهر مختلف كوارث الحرب العظمى للقرن العاشر وكذلك تبين سيمائها. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن أشعار المتنبي تعطينا من الانطباع البصري والسمعي والحقيقي للزحوف والمعارك والتعقيبات والمجازر، أكثر مما تعطينا الحكايات التاريخية، إلخ....
وهي أفضل من الحكايات التاريخية في كونها تقدم لنا لوحة حية عن أبهة حفلات استقبال السفراء وعظموتها، التي لم يأت على ذكرها المؤرخون إلا بكلمات معدودات.
إن قصائد المتنبي تعج بهذه التفاصيل التي تشرئب إليها تطلعاتنا العصرية، وذلك لاستحضار الماضي بصورة دقيقة.
ويرسم لنا الشاعر (وهو في غمرة وصف زحف جيوش الأمير) وصورة تأخذ بألبابنا السرعة الصاعقة لهذه الكتائب الخفيفة المدينة أحيانا، كما نعلم، للدهاء والظهور المفاجئ، بالنجاحات الباهرة في سحق العدو المفاجئ، رغم تفوقه في العدد ففي سنة 339، أثناء حملة خرشنة، لم يكن لجنود سيف الدولة من الوقت إلا ما لا يكاد يكفيهم لا يراد خيولهم الماء دون فك شكائمها) (10-451).

قاد الحقانب أقصى شربها نهل
على الشكيم وأذى سيرها سرع
وحين يرتقي الأمير آلس في اللقان، لمباغتة الدمستق، فبسرعة فائقة (19/451):

يذري اللقان غبارا في مناخرها
وفي حناجرها من ألسن جرع
وقد غلب برداس على أمره لإنه ظن أن القضية قضية مفرزة لا أهمية لها(17-451):

ذم الدمستق عينيه وقد طلعت
سود الغمام فظنوا إنها فزع
بالإضافة إلى ذلك، فإنها لوحة مبهجة في تصوير غزو هنزيط عام 345، ومرور الجيش قرب بحيرة سمنين (19-20/600):

وشزّب احمت الشعرى شكائمها
وسمتها على آنافها الحكم
حتي وردن بسمنين بحيرتها
تنش بالماء في أشداقها اللجم
والمتنبي يلاحظ باعتناء دائما عبور الأنهار، لإنه أبدا عملية دقيقة يبدو أن فرسان سيف الدولة كانوا بارعين في تنفيذها. إنه عبور فرع من الفرات: قباقب ثم الفرات نفسه عام342(30-31/514):
يطارد فيه موجه كل سابح
سواء عليه غمرة ومسيل
تراه كأن الماء مر بجسمه
واقبل رأس وحده وقليل
المتنبي كان ينفض يديه بعد تصوير لوحه جدارية حين جلا لأعيننا عبور أرسناس: فالنهر، وقد شكل حاجزا بين سحابتين من الغبار تنعقدان فوقه، تمثل إحداهما الجيش المتقدم نحو الشاطئ الجنوبي للاجتياز، والثانية الجيش الذي بعد أن عبره ابتعد عن الشاطئ الشمالي. ويعنى كذلك بإعطائنا التفاصيل التي تتحدث إلى الحواس(17-19/594):
حتى عبرن بأرسناس سوابحا
ينشرن فيه عمائم الفرسان
يقمصن في مثل المدي من بارد
يذر الفحول وهن كالخصيان
والماء بين عجاجتين مخلص
تتفـرقان بـه وتلتقيــان
إنها لوحة رائعة روعة لوحة قطيع الأسرى الذين يعبرون أرسناس، مطروحين على سفن لينقلوا إلى ديار الإسلام ويقذفوا إلى الحدود ( 23/594-33/600):

تأتي بما سبق الخيول كأنها
تحت الحسان مرابض الغزلان
تلقي بهم زبد التيار مقربة
علي جحافلها من نضحه رثم
وقد تمنوا غداة الدرب في لجب
أن يبصروك فلما بصروك عموا
إن سحن المعارك وما تجره معها من نكبات، وهي قلما تظهر لدى المؤرخين، تبرز بصورة مدهشة في أشعار المتنبي. ونذكر علي سبيل المثال اشتباك اللقان القصير العنيف، الذي وقع سنة339، وانهزم فيه الدمستق، بعدما "ما التف الرماحان ساعة" (29-30/472):

مضى بعدما التف الرماحان ساعة
كما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا
ولكنه ولي وللطعن سورة
إذا ذكرتها نفسـه لمس الجنبـا
وثمة المفاجأة في مخارم الجبل، حيث تسلق المسلمون واحدا واحدا الشعاب الوعرة، وهم يقاتلون قتال الأسود ضد عدو متحصن بالقمم (34-451):

هلا على عقب الوادي وقد صعدت
أسد تمر فرادى ليس تجتمع
وهناك تحتم على الأمير أن يبذل من نفسه لكف رجاله عن الهزيمة (7/451):

وفارس الخيل من خفت فوقرها
في الدرب والدم في اعطافها دفع
وتخلى عنه أصحابه الذين شجب المتنبي جبنهم (30-33-451):

قل للدمستق أن المسلمين لكم
خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتموهم قياما في دمائكم
كـأن قتلاكـم إياهم فجعـوا
ضعفى تعف الأعادي عن مثالهم
من الأعادي وإن هموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا مرق
فليس يـأكل إلا الميتة الضبـع
وقد قامر سيف الدولة بكل شيء وفي سورة من سورات الغضب الأعمى أمر بقتل الأسرى الذين اثقلوا مسيرته(27/451).

كم من حشاشة بطريق تضمنها
للباترات أمين ماله ورع
وشق طريقه على رأس بقية رجاله(41/451):

لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته
إن كان أسلمها الأصحاب والشيع
وهي معركة عام 343 الدامية على جبل الأحيدب أمام ثغر الحدث، حيث ترك فرسان الأمير الأرض أثناء صعودهم هاجمين على وكور النسور في القمة مغطاة بجثث الأعداء (29-30/548):

نثرتهم فوق الأحيدب كله
كما نثرت فوق العروس الدراهم
تدوس بك الخيل الوكور على الذرى
وقد كثرت حول الوكور المطاعم
ونراهم يدورون دوران الإعصار في قرى هنزيط عام 345، يقتلون الرجال ويغنمون نساءهم وأطفالهم (21-24/600):

وأصبحت بقرى هنزيط جائلة
ترعي الظبا في خصيب نبته اللحم
فما تركن بها خلدا له بضر
تحت التراب ولا بازا له قدم
فلا هزبرا له من درعه لبد
ولا مهاة لها من شبهها حشم
ترمي علي شفرات الباترات بهم
مكامن الأرض والغيطان والأكم
ويدخلون تل البطريق وراء الأمير، وسيوفهم مشهورة بأيديهم (29-30/600):

عبرت تقدمهم فيه وفي بلد
سكانه رمم مسكونها حمم
وفي أكفهم النار التي عبدت
قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
هندية أن تصغر معشرا صغروا
بحدها أو تعظم معشرا عظموا
قاسمتها تل بطريق فكان لها
أبطالها ولك الأطفال والحرم
ونشهد هزيمة الروم المجنونة في درب الخياطين (36-564):

فرموا بما يرمون عنه وأدبروا
يطوون كل حنية مرتان
وما حال ابن شمشقيق؟ (44/600):

وأسلم ابن شمشقيق أليته
ألا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
ترد عنه قنا الفرسان سابغة
صوب الأسنة في أثنائها ديم
والمتنبي ماهر في رسم الكتلة المؤشرة للجيوش البيزنطية(49-514/26-28/618):

أغركم طول الجيوش وعرضها
علي شروب للجيوش أكول
أتاهم بأوسع من أرضهم
طوال السبيب قصار العسب
تغيب الشواهق في جيشه
وتبدو صغارا إذ لم تغب
ولا تعبرا الريح في جوه
إذا لم تخط القنا أو تثب
كما هو بارع في وصف خياله كتائب الحرس، المدججين بالحديد، الراكبين علي جياد مغطاة هي أيضا بدروع حديدية تخفي سيقانهم (16-17/548):

أتوك يجرون الحديد كأنما
سروا بجياد مالهن قوائم
إذا برقوا لم تعرف البيض فهم
ثيابهم من مثلها والعمائم
وإليكم ترتيب صفوفهم الجميل المصمت الذي يرج الأرض رجا وضجيجهم المختلط الذي يصل إلى آذان النجوم(18-548):

خميس بشرف الأرض والغرب زحفه
وفي إذن الجوزاء منه زمازم
وتأليف هذه الكتائب العشوائي من المرتزقة، من الروس والبلغار والسلاف إلخ- وارتطام لغاتهم الأجنبية التي تقتضي ضرورة وجود مترجمين(14-18-19/548-12-583):

وكيف ترجى الروم والروس هدمها
وذا الطعن أساس لها ودعائم
خميس...
تجمع فيه كل لسن وأمـة
فما تفهم الأحداث إلا التراجم
يجمع الروم والصقالب والبلغار فيها وتجمع الآجالا ولعل القصيدة المؤلفة بمناسبة حملة عام 342، (آية سيف الدولة) هي أكمل مثال على القصص الحربي، فالحوادث تجري في حركة ملحمية قوية، وكل نكسة من نكسات هذه الحملة المترجرجة جدا مبرزة بشكل تفننت فيه قريحة المتنبي المصور. فنرى فيالق الأمير تغطى الجبال في منطقة دلوك وصنجة (19-20/514)ونلمح انقضاضها على العدو (21/514) وانتحاب المأسورات، وهن يمزقن ثيابهن في عرقه(23-514)والانسحاب المعرقل في درب الموزار والرجوع إلى ملطيةالتي تضرم فيها النيران ويسال الدم (2427/514)، واجتياز قباقب التي تسحقها كراديس الخيل، وعبور الفرات الذي فزع من هذه السيول البشرية المنقضة عليه (28 32/514) والمذابح الجديدة في هنزيط(32/514) ووصول الجيوش المنهكة إلى حصن الران في ديار الإسلام، تلك الجيوش التي أدركها الدجا من شدة الزحف فسقطت نازحة كليحة (35/514). ثم يعود الزحف إلى سيرته الأولى في القطر المضطرب الذي يمتد من هناك إلى سميساط، يزحف الجيش ليلا ونهارا، إذ ينبغي مداهمة العدو الصائد من سورية مثقلا بالأسرى (37-38/514).

وتدور المعركة قرب مرعش وتحيق الهزيمة بالروم، يتعقب سيف الدولة فلولهم، وتحطم ضربات السيوف بيض رءوسهم(43/514). وأخيرا يبدو برداس فوكاس (الدمستق) مقهورا منتحبا مدمى، لأنه جرح في وجهه، وجرح جرحا أبلغ في قلبه، وذلك لتركه ولده في قسطنطين إلى خطية العرب وإلى حديد الأسر (46-48/514):
فلما تجلى من دلوك وصنجة
علت كل طود راية ورعيل
على طرق فيها على الطرق رفعة
وفي ذكرها عند الأنيس خمول
فما شعروا حتى رأوها مغيرة
قباحا وأما خلقها فجميل
وأمسى السبايا ينتحبن بعرقة
كأن جيوب الثاكلات ذيول
وعادت فظنوها بموزار قفلا
وليس لها إلا الدخول قفول
فخاضت نجيع الجمع خوضا كأنه
بكل نجيع لم تخضه كفيل
تسايرها النيران في كل مسلك
به القوم صرعى والديار طلول
وكرت فمرت في دماء ملطية
ملطية أم للبنين ثكول
وأضعفن ما كلفنه من قباقب
فأضحى كأن الماء فيه عليل
ورعن بنا قلب الفرات كأنما
تخر عليه بالرجال سيول
يطارد فيه موجه كل سابح
سواء عليه غمرة ومسيل
تراه كأن الماء مر بجسمه
وأقبل رأس وحده وقليل
وفي بطن هنزيط وسمنين للظبا
وصم القنا ممن أبدن بديل
وبتن بحصن الران رزحى من الوحى
وكل عزيز للأمير ذليل
ودون سميساط المطامير والملا
وأودية مجهولة وهجول
لبسن الدجى فيها إلى أرض مرعش
وللروم خطب في البلاد جليل
فودع قتلاهم وشيع فلهم
بضرب حزون البيض فيه سهول
نجوت بإحدى مهجتيك جريحة
وخلفت إحدى مهجتيك تسيل
أتسلم للخطية ابنك هاربا
ويسكن في الدنيا إليك خليل
بوجهك ما انساكه من مرشة
نصيرك منها رنة وعويل
ينبغي كذلك تخصيص موضع للقصائد المستوحاة من استقبالات السفراء البيزنطينيين في حلب، تلك القصائد التي تطلعنا أعجب اطلاع على هدف الاحتفالات التي يستعان بها لإدهاش رسل الإمبراطور بشدة وإرهابهم. إنهم يمثلون أمام الأمير مخطوفة أبصارهم ببريق أسلحة حرس الشرف ولمعانها (28/497)، ويمتد صفان من الجنود حتى عرش الأمير (6/537)، مع ازدحام هائل (2/536) وبعد أن قبل السفراء الأرض قبلوا كم الأمير (7-9/537). وهكذا فبفضل أشعار المتنبي استطعنا أن نمثل لأنفسنا بعض التمثيل مظهرا من مظاهر بلاط سيف الدولة:
فلما دنا أخفى عليه مكانه
شعاع الحديد البارق المتألق
يقوم تقويم السماطين مشيه
إليك إذا ما عوجته الأفاكل
تزاحم الجيش حتى لم يجد سببا
إلى بساطك لي سمع ولا بصر
فقاسمك العينين منه ولحظه
سميك والخل الذي لا يزايل
والبصر منك الرزق والرزق مطمع
والبصر منه الموت والموت هائل
وقبل كما قبل التراب قبله
وكل كمي واقف متضائل
ومن جهة أخرى يعيننا المتنبي على تصور الجو المعنوي للحرب العربية البيزنطية وعالم الأفكار والأحاسيس الذي يضطرب فيه الممثلون المسلمون لهذه الدراما. وهنا أيضا يزودنا المتنبي بوثائق لن نستطيع العثور عليها في الحكايات التاريخية.
من استطاع أفضل مما استطاع المتنبي تسليط الضوء على الشجاعة وحب المجد والحرب والأحاسيس البطولية التي كانت روح سيف الدولة مشبعة بها، وكذلك أرواح قواده و المتنبي نفسه؟ أية مؤاخذات دامية وجهها الشاعر إلى الجبناء الذين خذلوا الأمير في مفاجأة عام339! (30-23، 36-39) وبأية حرارة شجع الجيش في تقدمه الجسور إلى الأمام، عندما علم الناس عام 340 بوصول الدمستق إلى سمندوومعه 40000 رجل (9-11/458)! وبأي شهامة متحمسة تغنى بانتصارات سيف الدولة في قبادوقيا، عام 339! "الدمستق لم يرض بحكم السيوف والرماح، ولكنا نحن راضون.- فإذا سار نحونا فقد زرنا سمندو، وإذا انسحب فموعدنا البسفور!"(11-12/450) ويكمن سر الانتصارات العظمى التي أحرزها سيف الدولة وقواته عام 345(بصرف النظر عن مفاجأة عام 339) في الحماسة الشابة، التي عبر عنها المتنبي انتصارات سيف الدولة وقواته على جيش، متفوق في العدد، ولكنه سيء القيادة الموكولة إلى قائد طاعن في السن خامل هو برداس فوكاس.
قل للدمستق أن المسلمين لكم
خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتموهم نياما في دمائكم
كأن قتلاكم إياهم فجعوا
ضعفى تعف الأيادي عن مثالهم
من الأعادي وأن هموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق
فليس يأكل إلا الميتة الضبع
وإنما عرض الله الجنود بكم
لكي يكونوا بلا فسل إذا رجعوا
وهل يشينك وقت كنت فارسه
وكان غيرك فيه الفارس الضرع

تعد القرى والمس بنا الجيش لمسة
نبار إلى ما تشتهي يدك اليمنى
فقد بردت فوق اللقان دماؤهم
ونحن أناس نتبع البارد السخنا
وإن كنت سيف الدولة العضب فيهم
فدعنا نكن قبل الضراب القنا اللدنا
رضينا والدمستق غير راض

بما حكم القواضب والوشيج
وإن يقدم فقد زرنا سمندو

وإن يحجم فموعدنا الخليج
من الطريف كذلك بالنسبة للمؤرخ أن نتبين في قصائد المتنبي، المكرسة للحرب البيزنطية، التعبير عن شعور أمد الإمارة الحمدانية في حلب بالقوة ذلك الشعور الذي كان قد تثلم حده وفل عزمه في الأمكنة الأخرى.
وثمة شعور مزيج بنكهة عزة قومية عربية، لا يبدو غالبا في أشعار هذا الصنف (40/548-46/594) هو الشعور القومي الإسلامي، الذي أنعشه طبيعيا استئناف الهجوم البيزنطي على الشرق في القرن العاشر، وانبعاث روح جديدة في الإمبراطورية لاسترداد الأقاليم المفقودة.
لقد منح المتنبي أكثر من مرة سطوة كلمته لتمجيد الإسلام والذين يجاهدون في سبيله. ورفع العيوق البطل الذي لا يدافع عن الثغور فقط (22/472) ويعيد بناء الأماكن التي خربها العدو، ويرد الدين إلى حدث (2/548). وإنما كذلك الذي يرفع منابر الوعظ ويؤمن إقامة صلاة الجمعة في قلب الأراضي البيزنطية، في صارخة(14/451). ومن هو فرحة المسلمين قاطبة (14/451) الذي يجسد عقيدة التوحيد ويهزم أئمة الشرك (39/548). والذي دينه يزيل كافة الأديان الأخرى(27/589):
تشرف عدنان به لا ربيعة
وتفتخر الدنيا به لا العواصم
رفعت بك العرب العماد وصيرت
قمم الملوك موقد النيران
هنيئا لأهل الثغر رأيك فيهم
وإنك حزب الله صرت لهم حزبا
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
مخلى له المرج منصوبا بصارخة
له المنابر مشهودا بها الجمع
ولست مليكا هازما لنظيره
ولكنك التوحيد للشرك هازم
وذراع كل أبى فلان كنيته
حالت فصاحبها أبو الأيتام
وتعكس أشعار المتنبي بوضوح روح "الجهاد" (الحرب المقدسة)، في أنبل مظاهرها وأنزهها، وهذا ما ينبغي أن نشدد القول عليه، في أشرس مظاهرها. و المتنبي لا يشيد فقط بالمجاهد، الذي يمضي قدما فرحا باستشهاده وتضحية نفسه لمثله الأعلى، الذي يعتبر الموت لأجله هي الحياة الحقة (33/594)، ولكنه يتغنى بالغزو المدمر الحارق في القطر المعادي (23 و25 و27/514)‏. ولا شك أن لديه من سامعيه مشاركين له في أحاسيسه:
وفوارس يحيى الحمام نفوسها
فكأنها ليست من الحيوان
فخاضت نجيع الجمع خوضا كأنه
بكل نجيع لم تخضه كفيل
وكرت فمرت في دماء ملطية
ملطية أم للبنين ثكول
وأمسى السبايا ينتحبن بعرقة
كأن جيوب الثاكلات ذيول
والمتنبي لا يمجد النصر لأنه نصر، وإنما لكونه نصرا على الأعداء. يا له من ابتهاج غليظ في الأبيات التالية:
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا
والنهب مما جمعوا والنار ما زرعوا
وربوا لك الأولاد حتى تصيبها
وقد كعبت بنت وشب غلام
فلم يبق إلا من حماها من الظبا
لمى شفتيها والثدي النواهد
تبكي عليهن البطاريق في الدجى
وهن لديها ملقيات كوامد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها
مصائب قوم عند قوم فوائد
جاز الدروب إلى ما خلف خرشنة
وزال عنها وذاك الروع لم يزل
وكلما حلمت عذراء عندهم
فإنما حلمت بالسبي والجمل
هنا أحيانا لعب بالألفاظ، وبعض المبالغات الشعرية. ولكن التعبير في جوهره حاشد بالصور والوقائع وذو أحاسيس عميقة بحيث كان يتجاوب معه جيش سيف الدولة بأجمعه.
ومن الطرافة أن ترى كيف تتصور حاشية سيف الدولة الخصوم، وهم البيزنطيون ورؤساؤهم، وما هو رأيها فيهم. وبصورة عامة، الروم أعداء حقراء، منذورون دائما لأن يكونوا مقهورين "أشقياء"(4/458):
وقد علم الروم الشقيون أننا
إذا ما تركنا أرضهم خلفنا عدنا
أنهم جبناء: عاجزون حتى عندما يستفيدون من الكمائن المهيأة سلفا، عن صد المسلمين الأسود، ولا يحرزون انتصارات إلا على قوات منهكة من التعب ولا يظفرون إلا بقائد خذله جنوده، وحتى في هذه الحالة يتكبدون خسائر أكثر مما يتكبدها خصومهم، أما الذين يقعون في أسرهم فهم جثث، والروم ليسوا سوى ضباع تفترس الموتى (30-35/451). ومهما صنعوا فإنهم سيظلون فريسة للمسلمين، حتى لو لاذوا بمعاقل جبل الوعول، ولن يفلتوا من الضربات التي تنتظرهم (31/487 - 46/451) وهم أنفسهم يستمطرون البركات من الأمير الذي ذبحهم (20/556):
قل للدمستق أن المسلمين لكم
خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتموهم نياما في دمائكم
كأن قتلاكم إياهم فجعوا
ضعفى تعف الأيادي عن مثالهم
من الأعادي وأن هموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق
فليس يأكل إلا الميتة الضبع
هلا على عقب الوادي وقد صعدت
أسد تمر فرادى ليس تجتمع
تشقكم بقناها كل سلهبة
والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع
وما الفرار إلى الجبال من أسد
تمشى النعام به في معقل الوعل
وما الجبال لنصران بحامية
ولو تنصر فيها الأعصم الصدع
على وجهك الميمون في كل غارة
صلاة توالى منهم وسلام
وحين يتحدث المتنبي عن السفراء، الذين جاءوا في تلك الفترة يلتمسون عبثا هدنة من أمير مزهو بانتصاراته، لم تكن لديه كفاية من الكلمات المذلة لتصوير موقفهم بدقة، فهم يرتعدون فرقا ولا يستطيعون المشي معتدلي القامة، تنظر أعينهم بفزع إلى سيف الأمير (5-7/537). ولم يخفوا لطلب الهدنة، وإنما لالتماس العفو (4-536)، إنه ميثاق حماية (10-556). من العقم أن نقول أن هذا التصوير لا يطابق الواقع:
أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه
وتنقد تحت الذعر منه المفاصل
يقوم تقويم السماطين مشيه
إليك إذا ما عوجته الأفاكل
فقاسمك العينين منه ولحظه
سميك والخل الذي لا يزايل
اليوم يرفع ملك الروم ناظره
لأن عفوك عنه عنده ظفر
فإن كنت لا تعطي الذمام طواعه
فعوذ الأعادي بالكريم ذمام
والشاعر لا يدع فرصة تفلت منه أبدا دون الهزء بالإمبراطور والتندر عليه. ففي خيمة سيف الدولة تمثل قطعة قماش، على أرضية مزخرفة، مشهد صيد في غيضه، والإمبراطور المتوج يتذلل أمام الأمير (19-23/373) كقيصر الروم وهو يقدم الولاء لكسرى، في الألواح الساسانية. وهو حين يبعث بسفارة إلى الأمير فإنه "يتخذ هيئة التوسل والتملق"، وهو "الشاعر بتخلفه في استعمال الرماح (24-25/497)، وهو لا يحلم، حين يوجه رسائله إلى سيف الدولة إلا بتحويل جيوشه عنه (1/537). وعلى النقيض من ذلك حين يكتب الأمير إلى الإمبراطور، فإنما ذلك بسيوفه على عنق الدمستق (31/497) فأية سخافة من جانبه بإرادة تخريب ثغر الحدث الموضوع كحمل ثقيل بين أذنيه! (9-10/432): عليها رياض لم تحكمها سحابة
وأغصان دوحٍ لم تغني حمائمه
وفوق حواش كل ثوب موجه
من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
نرى حيوان البر مصطلحا بها
يحارب ضد ضده ويسال
إذا ضربته الريح ماج كأنه
تجول مذاكيه وتد أى ضراغمه
وفي صورة الرومي ذي التاج ذله
لا بلخ لا يتجاف إلا عمائمه
رآى ملك الروم ارتياحك للندى
فقام مقام المجتدي المتملقِ
وخلى الرماح السمهرية صاغرا
لا درب منه بالطعان وأحذق
دروع لملك الروم هذي الرسائل
يرد بها عن نفسه ويشغل
وكنت إذا كاتبته قيل هذه
كتبت إليه في قذال الدمستق
ولم يخل من أسمائه عود منبر
ولم يخل دينار ولم يخل درهم
ضروب وما بين الحسامين ضيق
بصير وما بين الشجاعين مظلم
ولكن حمية المتنبي لا تثور خاصة إلا ضد برداس فوكاس (الدمستق). فهو جبان يفر على الدوام، وقد امتقع لونه من الخوف(24-26/451)، وإذا ذكرت نفسه الواقعة لمس الجانب متعجبا من بقائه على قيد الحياة. ويجرح عام 342 في معركة مرعش، فيفر بصورة مخجلة، تاركا ابنه بيدي سيف الدولة، مضحيا به للفوز بسلامة نفسه. يقذفه المتنبي بقوله: "هل تظن إنك بهروبك وتركك ابنك للقنا الخطية، تستطيع أن توحى الثقة في نفس صديق؟". (47/514) ويمثل الشاعر بصورة لطيفة برداس فوكاس، غب هذا الحدث، وقد طارت نفسه شعاعا، وهو ينطلق إلى الدير للتوبة، مرتديا المسوح وبيده عكاز الراهب (16-17/529).
وفي السنة التالية حين ينهزم مرة أخرى أمام ثغر الحدث حيث يفقد صهره وحفيده، يهتبل المتنبي الفرصة للسخرية منه: "(هل سيظل هذا الدمستق على جرأة التقدم نحوك لينهزم بعدئذ ويرى قفاه يلوم طيشه لدى وجهه؟ -ألن يعرف أذن أبدا رائحة الأسد قبل الشعور بهياجه؟" (33-34/548) ويعرض به بكونه ضحى بأصحابه مجددا للنجاة بحياته (38/548) وقد نال ابن الشمشقيق، المقهور عام 345، من الضحك على ذقنه ما فيه الكفاية، لقد اقسم ابن شمشقيق بإيقاف سيف الدولة عند حده، فأرغم على الحنث بيمينه ويكذب في وعوده (2-3/600) ولاذ بالفرار "تحت الضحك من حلقه "(42/600) وقد حمته درعه والغابات التي لجأ إليها من الموت:
أجُّل من ولد الفقاس منكتف
إذ فاقهن وأمضى منه منصرع
وما نجا من شفار البيض منفلت
نجا ومنهن في أحشائه فزع
يباشر الأمن دهرا وهو مختبل
ويشرب الخمر دهرا وهو ممتقع
ولكنه ولى وللطعن سورة
إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا
وخلى العذارى والبطاريق والقرى
وشعث النصارى والقرابين والصلبا
أتسلم للخطية ابنك هاربا
ويسكن في الدنيا إليك خليل
فأصبح يجتاب المسوح مخافه
وقد كان يجتاب الدلاص المسرّدا
ويمشي به العكاز في الدير تائبا
وما كان يرضى مشي أشقر اجردا
أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم
قفاه على الإقدام للوجه لائم
أينكر ريح الليث حتى يذوقه
وقد عرفت ريح الليوث البهائم
يسر بما أعطاك لا من جهالة
ولكن مغنوما نجا منك غانم
وفي اليمين على ما أنت واعده
ما دل إنك في الميعاد متهم
آلى الفتى ابن شمشقيق فأحنثه
فتى من الضرب تنسى عنده الكلم
وأسلم ابن شمشقيق آليته
ألا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
من البداهة وجود مبالغة لا يستغل بها المؤرخ، وكون معظم التفصيلات عن جبن كبار القادة البيزنطيين مما ينبغي نبذه وهذه المبالغة ليست مرجعه عمق الشعور بالكراهية التي يكنها المسلمون لأعدائهم، الذي لا يعادله إلا عمق الشعور بالكراهية لدى الروم تجاه المسلمين واعتبارهم كفرة. بل هناك شيء آخر. فها هو ماثل أمامنا الأسلوب الملحمي العزيز على قصاص حكايات الفروسية وأغاني البطولة، والانحياز المنسق لغرض إطراب جمهور معين، والقدح دائما بالعدو وتمثيله أبدا بهيئة الجبان، الذي يهرب رغم تفوقه في العدد. فبرداس فوكاس هو الرأس البليد في نظر المتنبي، فهو يخلق منه أضحوكة، ويجعله رمزا للخوف، وحتى ورعه، الذي يدفعه إلى انسحاب تكفيري بعد موت ابنه، يعتبره المتنبي دليلا على فزعه. نظرة لا تتسم بالدقة دون شك. ومع هذا فإن المؤرخ المحايد سيوازن بين رأى المتنبي في برداس فوكاس والحكم الذي يصدره بحقه مؤلف بيزنطي من القرن الحادي عشر والثاني عشر، ألا وهو سيدرنوس cedrenus هذا المؤرخ نزر الميل إلى الدمستق، فهو يعترف بأنه لم يصنع شيئا أو بالأحرى لم يصنع شيئا عاد بالخير على الإمبراطورية، وحين يتحدث عن تضمينه أحد خدامه أو أحد أتباعه لإنقاذ حياه الإمبراطور، فكأننا نسمع حديث المتنبي عنه. ولعل سيدرنوس لم يكنة يفكر تفكيرا بعيدا عن تفكير الشاعر العربي المتنبي(2، 330، سيدرنوس). وفضلا عن ذلك لا يصح أن ننسى أن نقفور، ابن برداس لم يرتكب جريمة بتوجيه تقريعات حادة إلى أبيه على سلوكه أثناء الحرب.
لقد خلف لنا المتنبي صورة حية، وغير دقيقة جزئيا، عن الحرب البيزنطية، ولكنها ذات أهمية تاريخية هائلة. ذلك أن أشعاره تنقل نقلا رائعا الجو الذي ساد في الجانب العربي، حوالي عام 950م وما تلاه من الأعوام. تلك كانت الفترة التي تحول خلالها سيف الدولة من كونه أميرا صغيرا في بلاد ما بين النهرين إلى غدوّ سيد سورية الشمالية وتخومها الحربية فألفى نفسه المدافع الوحيد عن الأقاليم الإسلامية ضد البيزنطيين، فاستعاد وحده كذلك التقاليد الحربية كعظام الخلفاء، بينما كان الملوك المسلمون الآخرون يغطون في الملل والكسل. واستطاع بموارده المحدودة المدعمة بحماس الشباب في الوقت نفسه، والمعززة بحمية وجرأة لا نظير لهما، النجاح في تكبيد العدد التقليدي هزائم منكرة، وجعل برداس فوكاس وأبناءه ويوحنا الشمشقيق وكافة قوى الإمبراطورية يلهثون من الفزع والجزع وطوال إقامة المتنبي إلى جواره، لم يعرف سيف الدولة شخصيا إلا الانتصارات وهذا ما أدهش المتنبي بل هذا مصدر وحيه وهذا ما دفع قصائده بتلك اللهجة الحربية. ولهذا كانت هذه القصائد أناشيد مجد وانتصار وقد ظلت غزوات الأمير البطولية مدوية الرنين في أذني الشاعر حتى بعد رحيله عن سيف الدولة، جريح الكرامة، وحتى عام353 حين نالت الجيوش البيزنطية من مقاومة سيف الدولة نقول حتى تلك الحقبة لم يتأخر عن الإشادة بالبطل المظفر سابقا، الذي كان يراه دائما حاملا نفس الملامح، وذلك في إجابته على رسالة الأمير التي طلب فيها إليه العودة إلى حلب(31/618): نأيت فقاتلهم باللقاء
وجئت فقاتلهم بالهرب

إن هذا التعليق المتحمس الذي صاغه المتنبي من غارات سيف الدولة، لا نعيره نحن قيمة حكاية تاريخية. ومن السهولة بمكان أن نتبين في شعره مبالغات علّتها المديح، وهوس رسم الصور والولع بالبحث اللفظي الذي يضر بصدق الحقيقة. ولكن لا يمكن كتابة تاريخ الحرب باستخدام جفاف البلاغات الحربية واقتضابها فقط... فيتحتم إذن على مؤرخ الحروب العربية البيزنطية استعمال عناصر الإعلام وتقدير المواقف التي يمنحنا إياها "الربورتاج" بغية إبراز الملامح الجذابة في المتنبي، وبعث ذكراه بقوة، وذلك في حدود إمكانية استخدام هذه العناصر

انتهى بعون الله
__________♂♂l|][Ξ¯▪ـ‗_Nour Besque_‗ـ▪¯Ξ][|l♂♂__________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://newhope.talk4her.com
 
[الصف العاشر ] مقالة عن المتنبي والحروب الخارجية - اللغة العربية سوريا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
NeW H0pE :: المنتدى التعليمي :: منتدى التعليم الثانوي والبكالوريا-
انتقل الى: